محمد حسين علي الصغير

24

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وجاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 472 ه ) فسلط الأضواء على المجاز في كتابيه « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » فكان المنظّر البياني في التطبيق القرآني للمجاز ، حتى بلغ البحث المجازي على يديه مرحلة النضج العلمي والتجديد البلاغي ، فعاد كلا منسجما ، وقالبا واحدا متجانسا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لمفهوم المجاز . وأتى بعد هؤلاء جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري ( ت : 538 ه ) فاغترف من بحري الرضي والجرجاني ، ما قوّم به أوده ، وصحّح منهجه ، وأضاف دقة الاختيار ، ولطف التنظير . فكان الزمخشري وهؤلاء الأقطاب الثلاثة قد دفعوا بمجاز القرآن فنا إلى مرحلة التأصيل ، وبلغوا به شوطا إلى قمة التأهيل ، فعاد معلما بارزا في التشخيص ، وعلما قائما يشار إليه بالبنان . وسنقتصر في الحديث عند هذه المرحلة على هؤلاء الأعلام ضمن حدود مقتضبة ، ولمسات إشارية عاجلة ، مهمتها إعلام الجهود ، وإنارة المعالم ليس غير . ولا يعني التأكيد على هؤلاء الأعلام : الغض من منزلة الآخرين ، أو بخس البلاغيين حقوقهم ، ولكن التوسع في « مجاز القرآن » عند ابن قتيبة والشريف الرضي وعبد القاهر والزمخشري ، قد فاق في مرحلة التأصيل ، واستقرار المصطلح المجازي ، حدود الإشارة والاختصار عند غيرهم ، وهو ما وقفنا عليه ، لهذا فإن حديثنا عنهم أمس صلة ، وألصق لحمة ، بمرحلة التأصيل منه عند سواهم . ومع هذا فقد أشرنا في نهاية هذا المبحث إلى طائفة من الأعلام الذين ساهموا بإمكانات متفاوتة في هذا المجال : 1 - عقد ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) بابا خاصا للمجاز في كتابه : « تأويل مشكل القرآن » « 1 » . ويبدو أن الهدف من ذلك كان كلاميا ، لأن أكثر

--> ( 1 ) حققه في طبعة منقحة الدكتور السيد أحمد صقر وطبع عدة مرات : مطبعة الحلبي .